التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فــــــــــــــــــراغ

 




ألقى حقيبته على أحد المقاعد المقابلة لمدخل الكلية .. وقف قليلا يتلفت حوله , جلس ينتظر الحافلة .. أشعل لفافة تبغ .. تململ من حرارة الطقس .. زفر الدخان وهو يتأمل اللافتة البعيدة .... " الكلية الحربية - مهد الأبطال " , ...


كانت عطلته الشهرية تمتد لأربعة أيام ولولا والديه لاعتذر عنها ,....... العودة الى البيت والاجابة عن سؤال أمه الأبدي .. أسامة لماذا لا تتزوج ؟ .... , في عمره كان أبوه زوجًا وأبا لعشرة اطفال رغم انه لم ينجب غيره , وخاله الذي كان يبحث عن الزوجة الرابعة مع انه لم يقترن بغير واحدة وطلقها ..... , منذ تخرجه تملكته حالة من الضياع فآثر التدريس على الالتحاق باحدى الفرق .. لم يجد لحياته معنى او هدف , لم يتحرك قلبه لزوجة وأسرة , لم يفكر بالمال ولم يبال يومًا بترقية بل كان يتحين الفرصة الملائمة لتقاعد مبكر , ....



بهذا الفراغ الذي يملؤه عجز عن ادراك العلة من تكرار حياة أبيه , زوجة وأولاد ثم تمضي الحياة والمركز الى الهاوية , تؤرقه حقيقة الانتماء لمجتمع قدم الراحة على الجد أظلته قرونٍ لم يسمُ فيها لمجدٍ أو عُلا ولم يتحرك أبدًا لهدفٍ أو غاية فلا خير في كثرته او اعانته على تكثيره بزواجه ثم اليوم الذي بات يراه قريبًا وهو يأكل بعضه فيبلى فيضمر فيحور رمادًا ويمضي أهله أرسالاً إلى حيث ........ , يسترجع طفولته .. أحلامه العظيمة , ثم كيف التحق بالكلية الحربية واصطدم بحاضره البارد فالمركز سيبقى منكمشًا على نفسه متسامحًا مع أعداءه طالما ضمنت قبائله الكبيرة مصالحها التجارية , أما التوازن بين الشرق والغرب فباق ما بقي المركز على حاله , ...... الحلم بهيمنة المركز ؟ ... مجرد أوهام , ....

وصلت الحافلة فألقى اللفافة وصعد متخذًا مجلسه بجوار النافذة الخلفية , .... تحركت الحافلة .. اهتز هاتفه .. كانت رسالة طويلة من جدته , ألقى عليها نظرة فبدت له كتمهيد لجلسة جديدة تقنعه فيها بالزواج , كانت تحدثه عن زوجة محتملة انتقتها له بعناية ...... , عائلة عريقة .. وظيفة مرموقة .. طيبة الاخلاق .. بيضاء القلب .. كحلاء العينين .. طفلة الكف .. أسيلة الخدين ....... , تجاوز الفقرة الدعائية وعشا وصفها المحتمل لفقرة عن استعمالات الزوجة , .... موظفة تجمع له المال .. طباخة تحفظ أمواله .. مربية لو انجب .. سكرتيرته لو بدأ مشروعه .. معلمة لو حظي بأبناء أغبياء .. زوجة احتياطية لو تزوج من أخرى .. ثروة مؤجلة حين ترث أباها أو يسعفه الحظ وتلحق بأبيها .......

أحس بالملل فأغلق هاتفه ..... , نظر عبر النافذة والجبال تعلو السحب .. شعر بحنين غامض .. عاطفة بعيدة كلما توارى عنها ادركته .. يغالبها فتغلبه يهجرها فتصله يتنائى فتلاقيه .... , كم يكره طفولته وأي نقمة ادخرها لأبيه مذ كان صبيًا يتنقل بين مدينة وأخرى في مغامرات فاشلة لأب سيء الحظ كلما استقر بمدينة لم يكد يلبث حتى تبور تجارته فيرحل عنها الى غيرها .. أفنى ثروته ثم عاد الى قريته يتسول نفقات اسرته من أمه العجوز البخيلة مانحًا اياها الفرصة التي كانت تنتظرها .. هيمنت على أسرته الصغيرة .. استعملت الأب مديرا لأعمالها والأم مدبرة منزل ثم هو الذي اضحى اسيرًا بين يديها توجهه حيث تراءت لنفسها منفعة , فإن تجاهل استبدادها لم ينس كيف اصبحت عاداتها فرضًا على كل من بالبيت .. النوم مبكرا .. اغلاق الكهرباء من بعد العشاء .. الاستيقاظ عند الفجر .. مواعيد الطعام الصارمة ثم عادتها العجيبة في تناول الطعام سريعا لتنهض من فورها وتبدأ بجمع الاطباق من فوق طاولة الطعام متجاهله غيرها ممن يأكل .. يتذكر زيارة من صديقة امه والصدمة على وجهها حين بدأت جدته بسحب اطباق الطعام الواحد تلو الآخر بينما لازالت تأكل , اعقبها رحيل امه لأهلها واصرارها على الطلاق الذي نالته بعد اشهر , اما هو فقد احب البقاء مع أمه إلا انه اثر الحياة مع جدته وأبيه رفقا بأمه وعائلتها المعدمة ......

مالت الشمس لتختفي خلف قمم الجبال .. أسند رأسه الى النافذه وغفى .. تلاشت الاصوات من حوله .. حالمًا رأى نفسه طفلا يعبر الطريق والشمس تحجب عنه الرؤيا .. كانت تسبقه بمعطفها الاخضر .. بصعوبة أبصرها من بين وهج الشمس وتسارع السيارات التي فصلت بينهما وما ان عبر الطريق حتى تلاشت , لسبب ما كان يعي بنفسه الحالمه .. تمنى لو طال به الحلم .. على مرمى البصر كانت مدرسته الابتدائية القديمة .. اسرع الخطى وتسارعت نبضات قلبه .. عبَر البوابة وأظلمت السماء .... , في كل صباح اعتاد على رؤيتها تتقدمه في طريقها الى المدرسة .. لم يعرف لها اسمًا ولم يرها منذ ذلك العام , كان عامًا عسيرًا على والده تلفت محاصيله وتراكمت ديونه فباع مزرعته ووعدهم ببداية جديدة في مدينة اخرى اذا حل الصيف , وريثما تنقضي الاشهر انتقلوا لبيت بائس في حي متواضع , كره مدرسته ذات المباني المتداعية .. كره طاولته الصدئة .. كره معلميه وتعاملهم الفظ .. كره رفاقه ولعبهم الخشن .. كره الشجارات الدائمه بين والديه , لم يبهجه غير رؤيتها صباحًا تخرج من البيت المقابل وحيدة الى مدرستها حاملة حقيبتها الكبيرة تمشي على عجل رغم وعورة الارض والغبار والاتربة وازدحام السيارات , ومن على بعد يتبعها .. يراها تجتاز الطريق غير مكترثة لتدافع العربات .. تعبر فتتلاشى , في مشيتها كانت تلهمه ان لو تقدم فكل ما يبغضه سيتبدد من خلفه ,...... لم ينس ذلك اليوم حين شعر بمن يلحقه , كانت طفله ربما من الصف الاول او الثاني .. تجر حقيبتها الضخمة من خلفها وتتبعه بمشقة , انتقل إلى الجانب الاخر للطريق فلحقت به , كانت اصغر من ان يتركها أهلها تذهب وحدها , لأيام كانت تتبعه على طول الطريق الى المدرسة فيتجاهلها ظنًا انها محض صدفة , وذات صباح هم بأن يتوقف ويتركها تسبقه وما ان توقف حتى توقفت , ارتبك وتظاهر بعقد رباط حذاءه ففعلت المثل , نظر لها فصدمته نظرتها المتوسلة كأنها ترجوه ان يتابع سيره , انطبعت نظرتها الخائفة في اعماقه .. حملت عيناها بؤسًا اثار شفقته .. للحظات وقف حائرًا قبل ان يكمل طريقه , .....


انقضت اشهر ثم اختفت وفيما بعد روت له امه قصة عن جارتهم التي انتقلت بشكل مفاجئ , قالت ان المرأة اللطيفة كانت تخفي وجهًا حقودًا .. ادعت ان ابنة زوجها مجرد يتيمة تبناها زوجها طيب القلب , أمامه كانت تدللها وتبدي عطفها ومن خلف ظهره تعذبها بكل طريقة ممكنة , احد الاطفال ممن يلعبون مع ابنها قال كانت تقيدها .. تحرقها بالشمع .. تلسعها بالملعقة بعد تسخينها .. تتظاهر باصطحابها الى المدرسة ثم تتركها على الطريق وتأمرها بأن تتبع احد الاطفال حتى تصل وتهددها لو علم ابيها الذي سيقلها عند الظهيرة فالشمعة بانتظارها ..... , في تلك الليلة بكى كثيرًا .. احس بالندم اذ لم يتوقف لحظة ليسألها .. تمنى لو اخذ بيدها وحمل حقيبتها .. لام نفسه على تجاهلها .. ولسنوات عذبته نظرتها الخائفة المتوسلة .....


من بين ذكرياته غاص في حلمه .. على ارضية الملعب الترابية وقف يتأمل المدرسة كما عهدها كئيبة ثم زادها الليل كآبة على كآبتها .. وعبر ضوء القمر أبصر الطفلة التي اعتادت ان تتبعه تقف على سطح احدى البنايات تنظر له نظرتها الحزينة , وعلى مرمى بصره كانت الفتاة ذات المعطف الاخضر تمشي بثبات متجهة الى المنطقة المهجورة من المدرسة , وقع في نفسه قصدها بالتوجه الى الكوخ المنهار حيث اعتاد الاطفال وصفه ببوابة البرزخ .. بالقرب منه كانوا يروون الحكايات الزائفة عن اصوات الموتى التي تدوي بالقرب منه ليلا , هم باللحاق بها فعجز عن الحركة .. شعر بقدمه وقد تجمدت , يكره حين يحلم ثم يأبى عليه جسده ان يطيعه , حدق في السماء بينما المباني شبه المتداعية لمدرسته تغمره بوحشتها .. في هذه المدينة القديمة المكسوة بالفقر استقرت القبيلة الاولى بعد الانكسار الكبير للمركز , كانت شبه منفى اختاره افراد القيبلة بعد عزلهم عن الحكم , في تلك الحرب الطاحنة لن يعرف احد اكانوا هم الامل الاخير لهيمنة المركز أو مجرد حمقى غامروا بسلامه فانتهى ممزقًا بين الشرق والغرب , ولعقود شاع بين الناس ان لولا التحالف بين القبيلتين الثانية والثالثة وعزلهم للاولى لضاعت البقية الباقية من المركز , في داخله يقين ان ما تبقى من المركز قد بدأ انهياره في اللحظة التي ازيحت فيها القبيلة الاولى عن القيادة , اعاد النظر الى الطفلة .. رجته بنظرتها الخائفة ان يبقى بالقرب منها , كانت الفتاة ذات المعطف قد اقتربت من الكوخ المظلم .. في سيرها بدت وكأنها القبيلة الاولى وقد نهضت من الرماد .. بخياله رآها ترشده الى القائد .. تلك الهمسات التي طالما شعر بها بين جنبات الكلية , الايمان الخفي الذي خلفه في قلب كل من التقاه , اليقين بهيمنة المركز الآتية على خطاه ... أحس بقدماه تتحرر بينما ينسحب من حلمه , كان يتبعها نحو الكوخ والعالم من حوله يتلاشى .......

خفض السائق من سرعته .. فتح عينيه على طرقات المدينة التي لن يراها مجددًا , عازمًا على ترك التدريس والالتحاق باللواء السادس ... , وعلى الرغم من الكآبة التي غمرته بمغامرته اليائسة التي حزم عليها امره شعر للمرة الاولى بفراغ قلبه وقد تبدد ....














































تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Serial Experiments Lain PS1 || ترجمة اللعبة ||

  الترجمة مكتملة  https://www.true-gaming.net/boards/index.php?threads/serial-experiments-lain-ps1-ترجمة-اللعبة.50966/

تمضي وأمضي مع العابرين

  وإذ أيقنت بقرب يومها فلكم خافته قدر ما نزعت اليه نفسها ... تترقب وقع الاقدام ... دوي الطرقات على الباب .. صوت من يناديها .. همس الجدران بصدى اسمها .. أي يد هزتها ... أي عين أبصرتها .. أي عهد اجتباها إليه ...... اقتربت القطة الصغيرة من النافذة .. ترقبها بيأس من أسفل وقد انهكها الجوع , دارت حول نفسها وفي لحظة تساقطت بقايا الطعام من الأعلى .. ارتاع قلبها من هذا الذي ارتطم بالارض قبل ان تتمالك نفسها فأخذت تتشمم الارضية , أحاطت بقطعة دجاج فانطلقت نحوها قطة اكبر صرخت بوجهها لتتراجع الصغيرة في رعب ....... اغلقت أثير النافذة بعد اذ يئست من اطعام الصغيرة وقد فرضت الكبيرة هيمنتها على كل ما قد ترميه من بقايا , عادت لفراشها ولم يكن من بد إذ ليس في الغرفة غير السرير .. تأملت سقف الغرفة كان يشع بياضا ثم هو بلا نقوش ولم تكن واثقة من مصدر الضوء , جلست .. نظرت للجدران ولم تكن مغايرةً للسقف .. جدران بيضاء لامعة ملساء بلا تفاصيل , دفنت وجهها في الوسادة .. تقلبت في الفراش واستقر بصرها على الباب , مجرد نقش على الجدار بلا مقبض لكنها لم تشك انه الباب لسيما وهو الجدار ذاته الذي تبرز منه عتبة الطعام وهي ...

أرض النهاية

 في مكان ما وفي زمن ما وجدت كاتبة غامضة تَدعي روايتها لقصص مبنية على وقائع حدثت بالفعل على كواكب اخرى غير الارض والكاتبة حسب الظاهر من الأحداث على صلة بشخص تصفه بالعالم البنفسجي وبطريقه مجهولة ولسبب غامض كان يطلعها على تفاصيل المأساة الأخيرة للكواكب التي شارك بقصد او من دون قصد منه في تجارب ادت لتدميرها ثم يظهر من الاحداث ان جهة يصعب تحديد معالمها كانت حاضرة لتوجيه تلك التجارب , وان العالم البنفسجي لم ينتبه لخطرها الا متأخرا جدا مع الدمار الذي حل بالكوكب الاصفر , وبنهاية قصة الكوكب الاصفر يتضح ان الكاتبة من بعد تدوينها للقصة الثانية مرت باحداث غيرت حياتها وانتهت بها في رحلة مجهولة للكوكب الازرق مما دفعها في الاخير لسبب ما لإعادة تدوين بعض اجزاء القصة الثانية ثم قرارها بالامتناع عن تدوين القصص الاخرى المتعلقة ببقية الكواكب السبعة لحتى اللحظة الاخيرة من حياتها .... وبموت الكاتبة تنتقل رواية الاحداث لحفيدها الذي كانت تهوى توبيخه بسبب او من دون سبب لاحساسها الغامض بأنه ذات يوم قد ينتهي بنفس معاناتها , على ان حياته كانت ومن لحظتها الاولى تتجه للمسار الاشد المًا , فمن طفل مشر...