التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مضت عشر سنوات وكانت خالتي تنتظر

 




نظرت في ساعتها .. لحظات وينتهي الدوام , اسقطت رأسها إلى المكتب تُنصت لدقات الساعة الخافتة .. تختلط بوقع اقدام زميلاتها وهن يغادرن ..
رفعت رأسها وقد بدأت تشعر بالنشاط , دونت عدة ملاحظات عن بعض الظواهر التي قد تخرج منها بقصة ما , كان عملها لدى قسم الاستعلامات بوكالة الانباء ينتهي في الثالثة إلا أنها كانت تتعمد البقاء للسادسة , مجرد ملل من الحياة وحتى الاجتهاد لم يكن ليمنحها افضلية ما مع وظيفتها البائسة .. هي فقط طريقتها لحرق الوقت بدلا من عودتها المبكرة لتبقى في بيتها وحيدة حتى صباح اليوم التالي , لسبب ما ترى حياتها مملة وتأبى وصفها بالكئيبة ثم تواسي نفسها : حظي السيء ..... , وبتعبير أدق كانت منحوسة أينما حلت , فبعد التحاقها بالجامعة تزوجت اختها في سن مبكرة ورحلت , وقبل تخرجها تورطت في حادثة ما وتم فصلها , وبينما كانت تعاني من الاحباط تطلقت أمها وغادرت لتتزوج بعد اشهر , وقبل ان ينتهي العام كان ابوها يعمل بجد لتزويجها وحين فشلت محاولاته وأصابه اليأس من عنادها تزوج هو لينشغل بعدها بزوجته الجديدة , ثم نظرت حولها لتجد نفسها نسيًا منسيًا .. بلا مؤهل .. وظيفة متواضعة .. أمها في بلد بعيد .. أبوها انتقل بعمله لمدينة اخرى , ثم اختها المجبرة من زوجها على الابتعاد عنها من بعد ادانتها في تلك الحادثة , وكانت عشر سنوات قد مضت قبل أن يلين قلبه ويسمح لها على كره ان ترى اختها بين حين وآخر .....

مزقت بعض الاوراق القديمة ثم تذكرت مكالمة هامة فرفعت سماعة الهاتف .. دونت رقما وانتظرت الاجابة .... كانت وظيفتها تنحصر في البحث عن الظواهر او القضايا التي قد ينتج عنها قصصًا صالحة للنشر , فتبدأ اولا بحصر الظاهرة ثم الاستعلام عنها قدر استطاعتها حتى اذا انتهت بتصور ما يصلح كقصة أرسلتها لقسم التحقيق , ..... من الجانب الاخر أتاها الصوت :
- تيماء ....
- حصلت على نسخة ؟
- ليس بعد تم فرض السرية ....
- هل الامر بتلك الخطورة ؟
- لست ادري مع تحليلهم لتلك الاشارة تم التكتم على ما ورد فيها , على الاغلب مُحيت التسجيلات قبل تسريح الفرقة البحثية ...
- لابد من احتفاظهم بنسخة ما ...
- أنا أحاول .....

وضعت السماعة شاردة الذهن , تتذكر ما حدث قبل اسابيع حين التقطت احدى محطات الرصد اشارات موجية قادمة من الفضاء , كانت مختلفة عن موجات الراديو المعتادة وتشكلت هيئة خبراء انبثقت عنها فرقة بحثية لدراسة طبيعتها , ثم قدمت الفرقة تقريرها الذي صرحت فيه بعجزها عن فهم حقيقتها او ما قد تعنيه , الا ان مقطعا تم تسريبه لاحد الخبراء تكلم فيه عن نجاح الفرقة البحثية بتحويل تلك الموجات لأصوات حملت رسالة صادمة للبشر وان الهيئة لازالت تدرسها , وبانتشار المقطع اصدرت الهيئة بيانا عبرت فيه عن صدمتها من المعلومات المغلوطة والتي وردت في التسجيل المنسوب لاحد رجالها وان الحوار تم بتره خارج سياقه عن عمد لمجرد الإثارة , أما هي فقد أكد لها احد مصادرها للمعلومات ان هناك بالفعل تسجيلا صوتيا لتلك الموجات ووعدها بتسريبه ولازالت تنتظر بلا فضول ..... , مجرد هراء .. كانت تفكر .... اصوات غير مفهومة ومئات الفرضيات والقصص الملفقة لتفسيره , ثم لن يعرف احد ان كان تسجيلا قد وجد من الاصل ام لا ...... , في قلبها هيمن الملل فلم تعد تبالي ايا كان ما تنتظره من اخبار .. كانت تتقدم بالعمر ومباهج الحياة تتلاشى , في الثلاثين تبتذل الحياة نفسها , تتماثل حوادثها ويتشابه اهلها , وما ألفته مثيرًا للحماسة أمسى للسخرية أقرب , تتساءل أحيانا عما تعانيه من سأم لو قتلتها الوحدة من الداخل او مات قلبها مع ذلك الحلم ... تتحسر .. ما أبعده من حلم , وأي فراغ تركه في قلبها ...

نهضت واعدت لنفسها بعض القهوة .. جلست امام النافذة وكعادتها تختتم يومها تتأمل الطريق , بلا وعي كانت السيارات تبدو كمرآة ليومها التالي , إن ظهرت سيارة من العدم لتتجاوز غيرها ثم تقطع الاشارة ترقبت في الغد خبرًا مثيرا ولو حدث التصادم عند تقاطع المجمع التجاري وتوقفت حركة السير توقعت خبرا يطغى على غيره من الاخبار , أو ما اعتادته من انتظام السيارات في مشيها ليعقبها يوم ممل ...... , نظرت عبر الزجاج كان الطريق خاليا ... لدقائق لم تلمح سيارة او حتى شخصًا يسير على قدميه , خمنت .. لعل شخصية هامة قد تعبر فأغلقوا الطرق , انهت القهوة وخرجت من القسم فالمصعد فالقبو حيث سيارتها , احست بوقع خطوات قريبة فتوقفت ونظرت للخلف , رأت مجموعة من الرجال بعضهم بملابسه العسكرية يسرعون الخطى نحو المصعد , لمحت وجهًا بدا لها مألوفًا .. سمعته يقول : نحن بصدد وضع نهاية لاضطرابات الحد الشرقي ......
تجمدت وهي تنصت .. ذلك الصوت .. صعقتها المفاجأة فأرسلتها بعيدًا .. عشر سنوات وأكثر .. توقف الزمن .. مالت بها الذكريات تحملها الى بدايتها الجامعية وفي داخلها تصف نفسها بالقروية الساذجة , ...... اقترب منها بملابسه السوداء .. من عينيها ادرك انها قرأت .. مد يده فناولته دفتره , للحظات جلس بالقرب منها يجمع اوراقه .. نظرت له بفضول وقد عجزت عن الكلام .. قال لها : في تلك الحلقة المفرغة أبصرت للبشر طريقًا الى النهاية .....

خرجت من ذكرياتها وعاصفة من المشاعر تعصف بداخلها , سقطت حقيبتها .. تعلق بصرها بالمصعد .. ركضت لنهاية القبو .. دارت الى مدخل البناية وهناك لمحته من خلف زجاج المصعد وهو يبتعد لأعلى .. كانت متأكدة .. لم يتغير ولو قليلا ..





راقبت المصعد وقد استقر في الطابق الاخير , همت بالصعود إلا انها عادت للقبو حيث حقيبتها .. اخرجت الهاتف وتحققت من اخر العناوين : الجيش يكشف عن متحدثه الرسمي الجديد على الجبهة الشرقية والاخير يعلن عن ثلاث مراحل لحل الازمة ....
كانت قد قرأت الخبر في الصباح بلا امعان .. تفحصت الصورة على الصفحة .. كان هو نفسه .. ماجد .. تتذكر الان اتصالات الجيش مع رئيس الوكالة .. الاجتماع الطارئ .. فكرت بعشر حجج لحشر نفسها في الطابق الاخير .. همت بالصعود ثم احست بخيبة امل فتراجعت لسيارتها .. جلست بإحباط تتأمل حالها , أكانت سترضى لو رآها بملابس العمل .. شعرها المنتفش .. عيناها المرهقتان , وماذا عن وظيفتها المتواضعة .. تعليمها الذي لم يكتمل .. عائلتها التي نبذتها .. سن الزواج الذي ضيعته , ارتجفت يدها فسقط منها الهاتف .. رأت نفسها بعيدة كل البعد عما كانت ترسمه لمستقبلها , قالت من بين دموعها : يا لحياتي البائسة .. , اسقطت رأسها الى المقود , مر بها خاطر كئيب أبصرت نفسها جثة مهملة في بيت أشباح لا يبالي مَن خارجه ان كانت من فيه حية او ميته ..... , لحظات واحست بنفسها بغتة وقد غمرتها مشاعر مبهجة .. فكرت بماجد وقد نال ما أراد , تخلى عن الجامعة والتحق بالكلية العسكرية ثم انقطعت اخباره إلا انه اليوم وبعد عشر سنوات يشغل احد اقوى المناصب واكثرها تأثيرا على البلاد .....

اهتز هاتفها فمدت يدها تبحث عنه اسفل المقعد , مسحت عينيها ونظرت للرسالة : خالتي .. تأخرت ....
لم تعلق .. كانت تكره حين يناديها خالتي , نظرت في ساعتها .. نسيت انها نهاية الاسبوع وموعد زيارتها , بتردد كتبت وجهتها : مستشفى الصحة النفسية ...
حاولت التنفس ببطئ لتهدأ , لم تستطع ابعاد ماجد عن تفكيرها .. منذ ترك الجامعة وهي تحلم باليوم الذي سيراها فيه , ايقنت بنجاحه وتخيلت نفسها ترتقي قريبا منه , ثم جاء اليوم فإذا بها في القاع تتوارى عن انظاره خجلا , حتى عندما عادت علاقتها مع اختها لطبيعتها صادف ان ابنها قد اختار هذا الوقت بالذات ليعاني من نوبات هلع اعقبها محاولة فاشلة للانتحار انتهت باحتجازه في المستشفى , لن تعرف ابدًا لأي درجة مدهشة سيبلغها نحسها , فإن صادفت زوج اختها عند زيارتها رأت في عينيه نظرة كراهية تصرخ : هي عقوبتنا لتقربنا من أمثالك .. تحاول تجاهله .. فكرت مرات بالابتعاد عنهم إلا ان اختها كانت تثنيها قائلة : ابني عامر متعلق بك .. هو بحاجة للجميع ..... , يحيرها تعلقه بها .. لم تكن تتحمل سذاجة الاطفال ولا غرور المراهقين مما جعلها لا تحظى ابدا بعلاقة طيبة مع الاجيال اللاحقة , النظرة البريئة للعالم .. غرور المتعالي بمعرفة سطحية للحياة كانت تجارب عايشتها ولا تصبر على رؤيتها تتكرر في غيرها ......

وصلت المستشفى فصعدت الطابق الثاني لتتوجه الى حجرة الطبيب , كانت بطاقتها الصحفية تفتح أمامها الأبواب ويخصص لها الطبيب كل وقته ليحدثها عن حالة الفتى وقدر عنايتهم الفائقة بصحته , سألته : تعني أن تلك الأحلام المبهمة هي سبب نوبات الهلع ؟ , أجاب : هي حالة متقدمة من اضطراب الكابوس , قمنا بالعديد من الاختبارات لدراسة حالته اثناء النوم , كنا نأمل لو حدثنا عن كوابيسه عندها سنساعده في التغلب عليها .. قد نبدأ ببعض الأدوية وتنظيم جلسات استرخاء ...
سألته : اذكر من كلامك ان تلك الكوابيس ترتبط غالبا بصدمة تعرض لها او مرض جسدي ...
قاطعها : هنا تكمن المشكلة .. حياة الفتى طييعية بشكل كامل .. لا صدمات ناتجة عن مشاكل اسرية او اخفاقات دراسية كما انه لا يعاني أي نوع من الامراض .. ومن الغريب ان نرى مثل هذه الحالة لدى طفل في الثالثة عشر ......

























































تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Serial Experiments Lain PS1 || ترجمة اللعبة ||

  الترجمة مكتملة  https://www.true-gaming.net/boards/index.php?threads/serial-experiments-lain-ps1-ترجمة-اللعبة.50966/

تمضي وأمضي مع العابرين

  وإذ أيقنت بقرب يومها فلكم خافته قدر ما نزعت اليه نفسها ... تترقب وقع الاقدام ... دوي الطرقات على الباب .. صوت من يناديها .. همس الجدران بصدى اسمها .. أي يد هزتها ... أي عين أبصرتها .. أي عهد اجتباها إليه ...... اقتربت القطة الصغيرة من النافذة .. ترقبها بيأس من أسفل وقد انهكها الجوع , دارت حول نفسها وفي لحظة تساقطت بقايا الطعام من الأعلى .. ارتاع قلبها من هذا الذي ارتطم بالارض قبل ان تتمالك نفسها فأخذت تتشمم الارضية , أحاطت بقطعة دجاج فانطلقت نحوها قطة اكبر صرخت بوجهها لتتراجع الصغيرة في رعب ....... اغلقت أثير النافذة بعد اذ يئست من اطعام الصغيرة وقد فرضت الكبيرة هيمنتها على كل ما قد ترميه من بقايا , عادت لفراشها ولم يكن من بد إذ ليس في الغرفة غير السرير .. تأملت سقف الغرفة كان يشع بياضا ثم هو بلا نقوش ولم تكن واثقة من مصدر الضوء , جلست .. نظرت للجدران ولم تكن مغايرةً للسقف .. جدران بيضاء لامعة ملساء بلا تفاصيل , دفنت وجهها في الوسادة .. تقلبت في الفراش واستقر بصرها على الباب , مجرد نقش على الجدار بلا مقبض لكنها لم تشك انه الباب لسيما وهو الجدار ذاته الذي تبرز منه عتبة الطعام وهي ...

أرض النهاية

 في مكان ما وفي زمن ما وجدت كاتبة غامضة تَدعي روايتها لقصص مبنية على وقائع حدثت بالفعل على كواكب اخرى غير الارض والكاتبة حسب الظاهر من الأحداث على صلة بشخص تصفه بالعالم البنفسجي وبطريقه مجهولة ولسبب غامض كان يطلعها على تفاصيل المأساة الأخيرة للكواكب التي شارك بقصد او من دون قصد منه في تجارب ادت لتدميرها ثم يظهر من الاحداث ان جهة يصعب تحديد معالمها كانت حاضرة لتوجيه تلك التجارب , وان العالم البنفسجي لم ينتبه لخطرها الا متأخرا جدا مع الدمار الذي حل بالكوكب الاصفر , وبنهاية قصة الكوكب الاصفر يتضح ان الكاتبة من بعد تدوينها للقصة الثانية مرت باحداث غيرت حياتها وانتهت بها في رحلة مجهولة للكوكب الازرق مما دفعها في الاخير لسبب ما لإعادة تدوين بعض اجزاء القصة الثانية ثم قرارها بالامتناع عن تدوين القصص الاخرى المتعلقة ببقية الكواكب السبعة لحتى اللحظة الاخيرة من حياتها .... وبموت الكاتبة تنتقل رواية الاحداث لحفيدها الذي كانت تهوى توبيخه بسبب او من دون سبب لاحساسها الغامض بأنه ذات يوم قد ينتهي بنفس معاناتها , على ان حياته كانت ومن لحظتها الاولى تتجه للمسار الاشد المًا , فمن طفل مشر...