دارت السيارة حول الجبل في طريق منحن بللته الامطار .. عصفت الرياح وتناثرت قطرات المطر على وجهها .. اغلقت النافذة الجانبية ونظرت عن يمينها للمرآة تتأمل شمس العصر وقد انعكست أشعتها على الاسفلت من خلفها , ومع الغروب تتخيل امها توبخها لدى عودتها إلا ان استمتاعها أنساها اي عقاب ..
كانت عادتها كل ثلاثاء وبنهاية دوامها المدرسي التسلل لسيارة ناصر لتصحبه في رحلته الى الجبال , ورغم الجيرة وشراكة العمل التي جمعت بين ابويهما كانت امها تكره تعلقها به اذ امتاز بغرابة اطوار جعلته عرضه للاقاويل والشائعات بين اهل القرية , فلازمته صورة الشاب الذي افسدته ثروة ابيه ايًا كان حاله , فمع تفوقه في الثانوية قيل اسعفه النفوذ ومع فشله في الجامعة قيل ضيعه العبث , اما أمها فكان ما تسمعه من جاراتها عن انعزال ابنها وغرابة اطواره وقلة كلامه وتغيبه عن الجامعة وهوسه بالتدخين ما يدفعها لمنع ابنتها من التقرب منه فلازالت تقول حنين هو يكبرك بعشر سنوات امضي وقتك مع من هم بمثل عمرك ...... فتفكر بمن هم بعمرها وسخريتهم من لهجتها ثم وصفها بالغريبة مما دفعها لشيء من العزلة ردتها ببعض الكراهية للتباين بين اسرتها فلهجتها الهجينة كانت أثرًا لسخرية أمها من لهجة أبيها ثم أبوها وسخريته من جدتها التي لا تحتمل لهجة أمها فانتهت هي بلسان وان أرضى من بالبيت جعلها غريبة أينما حلت يصفها اهلها من أمها بابنة أبيها وأهالها من أبيها بابنة أمها فانطوت على نفسها تنصت لهمسات من يسمها بالباهته .....
وكانت قد ألفت عصر كل يوم مذ كانت في السابعة حمل حقيبتها والخروج من البيت مدعية الدراسة لدى صديقتها .. تبحث عن ناصر في ساحة القرية حيث اعتاد الجلوس وحيدًا بنظارته السوداء .. تجلس بالقرب منه تتابعه بعينيها يدخن بينما تفرغ حقيبتها وتدرس ..
تسترجع كلمات والدته وهي تشكو لأمها : يبقى وحيدا ولا يسمح لاحد بالاقتراب منه ... , تشعر بالفخر فلا يردها ان اقتربت منه , تتذكر كلمات أمه : نظرته الباردة .. لم يعد يحبني ... , فتسأله بفضول بحثا عن اجابة لتساؤل يراودها عن أمها : اتحب أمك ؟ .... يصمت ساعة ثم يردد : الحب ..... حب الأباء والأبناء ليس هو الحب الذي يميز البشر .... , تكره صمته الطويل وكلماته التي لا تعي مغزاها .. تنتظر قليلا ثم تسأل : حب العاشقين هو الذي يميز البشر ؟ , يقاطعها : التملك .. لا .. لا أ راه حبًا ... لن نعرف الحب ما لم نفهم المعنى من الانسانية ....
كانت في الثالثة عشر وكان في الثالثة والعشرين فكانت تواسي نفسها عندما تبلغ عمره ستفهمه , ولانه يدرس الطب قررت ان تكون طبيبة وحين قرأت عن التشابه بين الطب والطبخ اهتمت بالطبخ حتى لم تعد تأكل إلا ما تطبخه لنفسها ....
في تلك الاثناء كان المركز غارقا في حرب طاحنة وكانت دول الشرق قد نقضت عهدها وانضمت لتحالف الغرب في حربه مع المركز , وكانت هي اصغر من ان تهتم .. تتذكر بعض الشعارات عن هيمنة المركز والحرب التي ستوحد العالم , ثم لم تلبث ان تلاشت الحماسة وحل محلها القلق من انهيار المركز وناصر في عالمه الخاص يحدثها عن معاناة الفقراء والكارثة التي جلبتها الحرب .. يلوم القبائل على تخذيلها الناس عن القبيلة الاولى سرًا .. يلوم القبيلة الاولى على تهورها والسير بالمركز الى حرب طاحنة بلا حلفاء , يكثر الحديث عن ضحايا الحرب والغلاء وشح السلع ..
جعلتها كلماته تتذكر صديقة لها من المدرسة تتناول خبزا بلا جبن وحين سألتها عن السبب قالت ارتفع ثمن الجبن فعلقت ببراءة لم يرتفع لدينا ثمنه ومن يومها احست بأن شيئا ما يتغير الا ان حياتها استمرت بلا تبديل , تنتظر الثلاثاء بفارغ الصبر لتصعد الجبل , وعلى قمته تنزع حذائها لتلامس الارض بقدميها فتشعر بأنها حرة .. تضربها الرياح وتتحرك السحب مسرعة ليتبدى القمر من خلف شمس العصر الباهتة .. تمسك بكوب القهوة بحثًا عن بعض الدفئ فتختلط رائحتها برائحة تبغ ناصر .. تسأله ان وجد معنى للانسانية .. تشتد الرياح ويحدثها عن الأثرة وكيف امتلكت كل حياة قال : وحده الإنسان من يقاومها .. قد أرى الإنسانية خلف هذا المعنى ....
فكرت بنفسها وكيف ستبدو له لو علم كم تكره أهلها .. تنفر من هيمنة أبوها وتسلط أمها .. يقيدها أن سنوا لها ما تحب وما تكره ما تأتي وما تتجنب , وكيف تشعر بنفسها وقد حُرمت متعة الإختيار وإختبار الحياة , ثم تستمع لحديث أم ناصر مع أمها تشكو لها عصيان إبنها وتفرده برأيه وأخيرًا قلقها من إنذار الجامعة بفصله إن إستمر على غيابه فكان تمرده يحرك قلبها فترى نفسها في تفرده .. تتمنى لو كان لها قلب كقلبه إلا أنها مذ عرفته وعلى قدر إستطاعتها جاهدت لئلا ترى الحياة بعين غيرها .. ناءت بنفسها عن التقليد وترديد ما ردده الناس , فإن إستحسنت رأيًا لم تُحدِث به حتى تختبر ما اختبره صاحب الرأي فإما وافقته عن تجربه أو كان لها رأيها , وإن أحست ضعفًا أو عزلة تراءت لها صورته يدخن وشمس العصر قد مالت من خلفه وستبقى تلك الصورة تستمد منها شجاعتها كلما ضاقت بها الدنيا تسترجعها فكأنما تمنحها الحياة , وبعد عقود ستكتب من بين دموعها ترثيه : كان حرًا كريمًا لا يبالي العواقب ......
سألته وقد غربت الشمس : إن كنت تكره القبيلة الأولى بسبب الحرب فهل تكرهني ؟ .... على غير العادة أجابها بلا تفكير : لست أكرهها .. أٌشفِقٌ عليها , نظرت له متعجبة فقال : أيًا كانت نتيجة الحرب فسيفنى أنصارها ويطاولها كل طامع وحاسد ...... , ولم تدرك وقتها أن كلماته القليلة ستشكل لاحقًا رؤيتها لكل حرب والمعضلة التي جعلت تؤرقها ما بقيت ..
في ذلك الثلاثاء وبحلول العشاء عادت إلى البيت , طرقت الباب وقد هيأت نفسها لصراخ أمها وسيل من التوبيخ .. فُتح الباب ولم تكد تلمح أمها حتى إلتفتت عنها بوجهها الواجم , أغلقت الباب من خلفها وعبرت بقلق .. تسارعت نبضات قلبها وشعرت بكآبه تغزو أعماقها وتتسلل الى عالمها .. أحست بنفسها ترتجف وكأن اللحظة التي طالعت فيها وجه أمها قد بثتها كل ما إعتمر في قلبها من هم .. مرت بالصالة فرأت والدها وقد شحب وجهه رعبًا وتناثرت من حوله الأوراق .. يطالع بعضها مرتبكًا .. ترتجف يداه ويمزق بعضها الآخر .. صعدت لغرفتها وهي للخوف أقرب منها إلى الفضول .. تناهى إلى مسامعها همس والدتها : ماذا سيحل بنا ؟ ماذا سنفعل ؟ .. أغلقت باب غرفتها وصوت والدها يصرخ بخوف : لا أعرف .. لا تسأليني .. لن يرحمونا ........
كرهت سماع المزيد فدخلت الحمام وفتحت المياه .. جلست في حوض الإستحمام ولم تكن قد نزعت ملابسها .. تركت المياه تنساب على وجهها وصدى كلمات ناصر ترن برأسها منذرة بويلات الحرب ..
إمتلئ الحوض لمنتصفه فغمرت رأسها في الماء .. رددت الجدران صدى صوت ملقية الأخبار القادم من الأسفل : وكانت اولى نتائج الفاجعة العثور على جثة رئيس الاركان داخل استراحته منتحرًا وقد ذكر البيان الصادر عن هيئة الاركان ان الفريق أول قد ترك رسالة يصف فيها الحرب بالقرار الذي دمر المركز فيما توالت التقارير عن حالات تمرد على الجبهات ادت الى مصرع العديد من القيادات أبرزهم اللواء ركن قائد المنطقة الشمالية ......
كانت أصغر من أن تعي ما يحدث إلا أن ملامح الرعب على وجه والدها قد مزقت قلبها , لم تتخيل يومًا أن تهتم بهمٍ ألَمْ به أو بأمها ...... , عاودها صوت حزين ينعي لأهل المركز النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى إثر حادث مروري , قال بعد صمتٍ إمتد لدقيقة : ليس مجرد حادث .. نعم ومن قبله مقتل العميد ركن قائد اللواء السادس بنيرانٍ صديقه بعد أن بشر الأمة بقرب فك الحصار عن كتائب الجبهة الشمالية ... إنفعل صوته وهو يردد : هم أعداؤنا من بيننا ........ إنقطع البث ......
في الصباح إستيقظ الناس على خبر اهتز له العالم إذ أعلن رئيس المجلس الأعلى وسيد القبيلة الأولى تنحيه عن رئاسة المجلس في بيان مقتضب محملاً نفسه كامل المسئولية عن خسارة الحرب وتبعاتها ......
وعلى إثر بيانه بسطت القبيلة الثانية هيمنتها على المجلس , فعزلت كل من إنتمى للقبيلة الأولى عن كل وظيفة أو منصب قيادي , وأطلقت أتباعها في الطرقات مطالبة بمحاكمة رئيس المجلس , ثم أعلنت إستسلام المركز وتلت ذلك بأن منحت القبيلة الثالثة حق التصرف بالجيش وما لبثت الأخيرة أن حلته تمهيدًا لإعادة بناءه ....
وبعد اشهر بدأت القبيلة الثانية مفاوضات الإستسلام التي إنتهت بمعاهدة تضمنت تنازل المركز عن أغلب أراضيه شرقًا وغربًا ليتحول إلى كيان معزول إلا من جيب صغير أقصى الشمال الغربي كان منفذهم الأخير إلى العالم , أشاعت بعدها قيادات المركز الجديدة أن لولا حنكة القبيلة الثانية لسقط ما تبقى من المركز ...
وبتوقيع المعاهدة أعلنت بعض قيادات الجيش المنحل رفضها لمعاهدة الإستسلام وأسست فرقة كان قوامها من أفراد القبيلة الأولى وقلة من أنصارها أطلقت على نفسها جيش الأصل تمكنت بعدها من السيطرة على الجيب وشن هجمات يائسة على قوات التحالف المتمركزة في القرى الشمالية للجيب إلا أن الجيش الجديد سرعان ما أحكم حصاره عليهم مما أجبرهم على الإنسحاب جنوبًا فكانت تلك الحادثة هي الذريعة التي إستغلتها القبيلة الثانية لوصم كامل القبيلة الأولى بالخونة , فأطلقت يدها قهرًا وتنكيلاً بهم فاستولت على أموالهم واملاكهم وضيقت عليهم حتى اضطرتهم لعزل أنفسهم في القرى النائية وأطراف المدن , وبعد أن ضمن المجلس الأعلى الجديد سيطرته على مدن المركز الرئيسية وتطهير العاصمة ممن أسماهم خونة القبيلة الأولى تفرغ للجنوب فبدأ زحفًا بطيئًا على قرى الجنوب حيث التجمع الأكبر لبقايا القبيلة الأولى وجيش الأصل يقتطعها قرية بعد أخرى ......
تتذكر حنين تلك الفترة كأشد ما مر بها من خطوب وأعظم ما لقيت من الكروب , فإن ألمت بها الملمات وضاقت بها الأسباب استعادت ذكرى ذلك العام فهانت عليها المصائب وسهلت عليها المحن , ففي تلك السنة إنحاز جيش الأصل إلى الجنوب واستقل به عن المركز فما كان من المجلس إلا أن ضرب عليهم الحصار وأعلن الحرب التى إستفتحها بإعدام سيد القبيلة الأولى ..
ولم تمض أسابيع حتى تفاقمت معاناة الناس وهي التي لم تتعافى بعدٌ من حرب التحالف , فلم تكن أرض الجنوب على قفرها وشح مواردها المائية لتحتمل حصارًا قل أو كثر .... رأت حنين كيف إنعدمت السلع وتصارع الناس على المياه , أنفق والدها كل ما ادخره من ذهب لتأمين حاجتهم من الطعام ثم كان يمضي نهاره واقفًا منتظرًا دوره في ورود الماء , تستمع لأمها تبكي وهي تغلي الماء قبل أن يشربوا وبعناء تدخر بعضه للاستحمام , أشفقت على والدها الذي نحل جسده وأمها التي ترتجف رعبًا كلما تعالى صوت القصف , كانت عاجزه تحاول مساعدة أبوها بجلب الماء فيزجرها , تعين أمها على الخبز فتحبسها في القبو حرصًا عليها من الشظايا المتناثرة عبر النوافذ إثر كل قصف قريب , فكانت تمضي يومها في القبو تفكر بناصر ما يصنع وكيف يرى ما يحدث ... وفي كل يوم يصلها خبر زميلة لها من المدرسة قُصف بيتها ودفنت مع أهلها تحت أنقاضه فإن إستمعت لدوي إنفجار صعدت مسرعة إلى أمها خوفًا عليها فما إن تراها صاعدة حتى تصرخ بها : حنين إنزلي .... , بعد اشهر بدأت تتساقط القرى من حولهم .. عبر همسات والدها تستمع لمآسي كل قرية دخلها الجيش الجديد وكيف إستباحها وأذل أهلها ممن إنتموا للقبيلة الأولى وممن ناصرهم ....
وذات صباح وبينما أمها نائمة تسللت خارج البيت وإنطلقت لبيت ناصر وحين وصلت هالها ما رأت .. كان بيتهم قد إمتلئت حديقته بالخيام و تزاحمت بالأطباء والمصابين .. رأت من بينهم ناصر نفسه وقد ركع بجوار مريض يفحص إصابته , بعد قليل رأتها أمه فرحبت بها .. دعتها لداخل البيت وقدمت لها القهوة وسألتها عن حال أمها .. عبرت الباب إمرأة تستجدي طعامًا فانشغلت بها ... عادت حنين إلى الحديقة ولساعة وقفت مبهوته تتأمل الناس وهم يتأزرون .. يمدون يد المساعدة لبعضهم البعض .. قارنت ما رأت ببيتهم الكئيب وهم في عزلتهم لا يشغلهم غير أنفسهم , .... لمحت ناصر يخرج من الخيمة .. جلس منهكًا .. إقتربت منه وقدمت له قهوتها فتناولها شاردًا ..... , سألته : أنت مع جيش الأصل ضد المركز ؟ .... أجاب : لا أمل لنا في ردع القبيلة الثانية إلا بنصرة الأولى .... صمت قليلا ثم أكمل : إن إستقر الأمر لهم سيفنى المركز ...
وعند الظهيرة عادت لبيتها .. دخلت بهدوء شاعرة بالسعادة تود لو تصرخ : ماما لاداعي للخوف الناس ستحمينا ... إلا أن نقاشا كان يدور بين أمها وأبيها وحين أنصتت صدمها ما سمعت .. كان الألم يعتصر قلبها وهي تنزل للقبو .. أدركت الآن أن تلك الليلة التي رأت والدها يمزق أوراقه كان يومها وقد استشعر سقوط قبيلته عمد إلى بعض معارفه من القبيلة الثالثة فحالفهم وتلقى منهم الوعد بالحماية إن أعانهم على قبيلته قدر استطاعته فتلمس لهم الأخبار من ذوي قرابته ثم كانت رسائله لهم هي ما ضمنت له حفظ بيته من القصف ...
جلست ترتجف .. تفكر بأبيها إن كان هو من يرشد الطائرات التي تقصف البيوت وتجمعات جيش الأصل وماذا لو علم عن بيت ناصر هل سيشي بهم ؟ .. سيضحي بصديقه لأجل زوجته وإبنته ؟ ليحميها سيتسبب بقتل ناصر .. أكان سببًا في قتل زميلتها ودفنها حية ؟ تساقطت دموعها بلا توقف .. تسترجع صورته المنهكة .. بذله لكل ما يملك ليحميها وأمها فترق له .. ترى ناصر وأهله وما يبذلونه في دعمهم للناس ونصرتهم للمركز متناسين سلامتهم فتشمئز من نفسها وأبيها ...
في الأشهر التالية عزلت نفسها في القبو تتظاهر بالنوم طيلة اليوم وتتجنب النظر لوجه أبيها .. لم تعد قلقة للماء أو الطعام أو القصف أيقنت بالنجاة أيا كانت نتيجة الحرب .. تسمع عن سقوط القرى القريبة منهم فلا تبالي ... وحين يشتد القصف تفزع للصلاة وتدعو بنجاة ناصر , وبنهاية العام سقطت القرية وكانت آخر القرى وشهدت كيف حماهم الجيش الجديد مع من حماهم وكيف نكل بمن نكل واستباح ما إسبتاح .. رأت أثار من أٌعدموا في الطرقات وبقايا الدور المهدمة والأمول المنهوبة .. استمعت لصرخات النساء والأطفال على من فقدوهم أمام أعينهم .. بينما هي مع عائلتها سالمة مسلمة تستعد الإنتقال إلى العاصمة على أشلاء قومها ومعشرها ممن قدمهم أبوها قرابين سلامتها في أحط طقس وأسفله , همت في يومها الأخير أن تبحث عن ناصر ثم فكرت بأي وجه تلقاه أَتتصنع البراءة أم الحزن أو الندم .. تفرح بنجاتها أم تبكي سقوط أهلها , من بعيد لمحت بيته المهدم .. تساقطت دموعها فلم تعرف أدُفن مع من دُفنوا أم أعدم مع من أٌعدموا أو إنحاز مع من إنحازوا لقرى الجبل .. وكان ما رأته من المآسي قد منعها لوم أبيها وإن أدخرت له في قلبها كراهية لن تُمحى , وبسقوط الجنوب أعلن المجلس الأعلى نهاية الحرب , ثم إنقضت السنون وسكنت الحوادث وكف المجلس يده عن القبيلة الأولى ولم يبق من يناد بأراض المركز المنهوبة فضلا عن هيمنته ..
في الأعوام التالية علمت نفسها كيف تداري كراهيتها ولا تنساها , دفنت أحقادها في قلبها وانعزلت بنفسها عن العالم تنتظر يوم حريتها , في البيت تعامل أبويها بجفاء .. تمتنع عن مشاركتهم الأكل .. لا تسأل عن حالهم ولا تكلمهم الا إن ألحت حاجة .. تنسحب في كل مناسبة وتجمع للأهل , تواجهها أمها بجفاءها فتبتسم ببراءة أنها لم تعد طفلة , وفي المدرسة تنظر لزميلاتها بتعالٍ وإصرار جعلها تتفوق عليهن بفارق منعهن عن منافستها ولم تكن هي لتتحمل أن تنافسها إحداهن وفي داخلها تصرخ لم يعانين كما عانيت ولم يحزن كما حزنت ولم يتألمن كما تألمت ولم يفقدن ما فقدت ولم يجربن الحرب كما جربتها ولم يشعرن بعجزٍ كعجزي ولا رعبٍ كرعبي ولا يأسٍ كيأسي ولم يتملكهن العار كما يتملكني كلما أبصرت أبي ............
وبعد سنوات تخرجت من الثانوية وقررت الالتحاق بكلية الطب , وفي ذات الصيف بدأت عادة التدخين .. كانت تنتظر منتصف الليل ثم تجلس بزاوية الفناء تحاكي جلسة ناصر .. تبكي أحيانًا وهي تتخيل موته , ثم تخجل من نفسها وهي تتوهم نجاته , تتمنى لو لم ترجع لبيتها ذلك اليوم .. لو شاركته موته أو رافقته إلى حيث ينتهي العالم , تتذكر كلماته عن الإنسانية التي حلم برؤيتها في أسمى صورها .. تتفكر بأبيها و تسترجع كلمات ناصر عن حب الأباء والأبناء .. إلى أي درجة كان مُلهمًا .. تستشعر كم كانت كلماته البسيطة تفضح زيف إنسانيتنا .. يتسارع نبضها وترجو الله لو نجى ثم لو مكنها أن تشهد معه العالم كما حلم به ........
إنقضى الصيف وإنتقلت للجامعة فكانت على بعد خطوة من نيل حريتها إذ عزمت الإستقلال عن أهلها يوم تخرجها , خططت للعودة إلى الجنوب والعمل بإحدى المستشفيات ثم ستنتظر موتها الذي ستدعو الله أن يقربه إليها , وقبيل تخرجها عرض عليها أبوها الزواج فرفضت بشدة .. وصف لها ثراء عائلة من اختاره لها ونفوذها فصرخت في وجهه أنها لا تريده وركضت لغرفتها , في اليوم التالي حاولت أمها بلا جدوى .. إحتد النقاش فصارحتها الأم بما تعنيه زيجتها , قالت : سينتفعون بمصانع والدك وفي المقابل سيحمونه ممن يكيدون له لدى الحكومة الفاسدة التي بدأت تحقيقًا وأخذت بمساءلته عن ثروته .... , صرخت حنين : لا أهتم .. لا أبالي به ولا بماله القذر .... , صُعقَت الأم .. فاضت عينيها بالدموع ثم قالت بصوت مرتجف : هذا الذي لا يعنيك أمره ولا تبالي هو الذي تخلى عن أقرب الناس إليه ليحميك .. كان أهون عليه إنفاق الذهب ولا أن يراك تعانين ألم الجوع ثم لم يلق منك إلا الجفاء والعقوق .. لمرة واحدة .. لمرة واحدة فقط بما إمتزت عنا لنلق منك هذا التعالي ....
خرجت أمها وكأنما كبلت عنقها .. أُسقط في يدها .. عجزت عن التنفس .. سألت نفسها في ذلك الحصار لماذا لم تترك البيت وقد علمت بخيانة والدها ؟ .. لماذا لم تهرب لبيت ناصر ؟ .. لما لم تترك بيتها الآمن ؟ .. ألم تشعر بالراحة وقد إنراح عنها هم الماء والطعام .. فيم تختلف عن أبيها .. نامت آمنة مطمئنة ليلاً ثم لعنته صباحًا .. كان أثمًا لأجلها إذ آثرها على قومه ورضيت هي بالإثم أثرة لنفسها .. كم احتقرت أفعالها وقد إنزاحت عنها الغشاوة , لأي درجة آثرت نفسها لتأنس بالخيانة ثم تحتقرها .. أدت دورها في رقصة الخيانة ثم لامت من هيأ لها المسرح , عنفت نفسها : الأثرة .. الأثرة .. الأثرة التي يراها ناصر وقد سلبتنا ما يميزنا كبشر .. نعم كنت أنا .. من البداية كانت أنا من كرِهَت كل من نازعني نفسي .. لم أُطق يومًا قولهم إفعلي ولا تفعلي , آثرت كل ما يرضيني ولم أبالي .. نظرتُ بتعالي لمن لو لاقين ما لاقيت لما غوين كما غويت .. كيف لمت عامة من صمت عن أفعال المجلس ثم لم ألم نفسي لصمتي على أبي .. فلو أنصفت يومها لرحلت عنهم ثم لم آلي .....
وفي تلك الليلة تقرر زواجها عن رضى منها , وبعد تخرجها تمت خطبتها واشترطت بعد الزواج أن يُسمَح لها بالإقامة بالمشفى والتدريب إلى نهاية العام فلم يمانع زوجها رغم معارضة أمه , فأكملت تدريبها المتقدم فى الجراحة ..... , وحينها ملكت من الوقت والعزلة ما أتاح لها تأمل ما آل إليه أمرها فأضحت وقد تخلت عن سذاجة أحكامها بتصنيف من حولها وتلاشت نظرتها المتعالية .. باتت تعي كيف أن أسوأ الأفعال والتي ننأى بأنفسنا عن إنحطاط فاعليها قد نرتكبها ببساطة ثم لا نكترث .. علمتها التجارب كيف تلتمس الانسان في قلبه قبل أفعاله ...
ثم مضى العام وأنهت فترتها التدريبية لتنتقل على اثرها لبيتها الجديد بعد سنةٍ نفذت فيها كل حيلها لتجنب العيش مع زوجها الذي لم يدخر جهدًا ليرضيها .. في يومها الأول أوصلها وحمل حقيبتها للأعلى , وما إن خطت داخل البيت حتى فقدت بأسها وأحست بنفسها ترتجف .. يبتسم لها ويودعها مغادرًا إلى عمله هامسًا : حبيبتي لن أتأخر .. , تقّلب حقيبتها وتتظاهر بأنها لم تسمعه .. تتمنى لو تأخر , غادرها وجلست هي مصدومة تردد : ماذا فعلت بنفسي .. ماذا فعلت .....
لم تحبه ولم تطق حبه .. وفي ليلة بائسة قبلت الزواج ردا لدين أبيها فما كان منها إلا أن كسرت قيدًا بقيد ثم واست نفسها : لابأس .. لن يتحملني .. سيطلقني وسأتحرر .... , إلا أن زوجها تحملها وتحملها فلم يعارض رغبتها حين اصرت على الالتحاق بالمشفى عام التدريب , فقاسى برودها وعانى جفاءها بصبر كانت هي تتعجب منه وكانت أمه تتميز من الغيظ فأضمرت لها كراهية كانت تتبدى على استحياء منها حتى واتتها الفرصة يوم أن إحترقت مصانع والدها في سلسلة من الحوادث المريبة إذ كان المجلس وإن كف عن بطشه بالقبيلة الأولى تَبِعَ سياسة تقضي بتحجيم كل من برز منهم أو ذاع صيته أو أبدى تفوقًا ممن قد يجمع الناس من حوله فتارة بالأذى وتارة بالقتل ....
وإستبشرت حنين بالطلاق وفي لحظة درامية صارحت زوجها قائلة : لنفترق .. طلقني .. فلا منفعة ترجى مني بعد اليوم .. ستجد لك الوالدة من .... , قطع كلامها وإستمر يحدثها عن مدى حبه لها وتمسكه بها ... كادت تبكي من الصدمة .. قالت ترجوه : طلقني .. لأجل عائلتك ... , قال بفخر : لست الرجل الذي يتخلى عن حبه لأجل ........ , لم تقو على سماع المزيد .. قالت : أُحس بالدوار أحتاج لبعض الراحة .. صعدت غرفتها وأحكمت إغلاق الباب وجلست تبكي .. خائفة لو علقت معه للأبد .. تخشى لو أنجبت .. يفزعها أن تبقى للأبد أسيرة لهذا البيت .. تُصبح على وجه أمه العابس وتُمسي على كلماته المبتذلة .....
ولم تكد الأم تيأس من إقناع ولدها بالطلاق حتى تخلت عن وقارها وأطلقت غضبها وكشفت عن ساقها وأبدت من الشر الصُّراح إذ ظنت أن حنين هي من تتمسك بإبنها فاتخذت كل وسيلة لإهانتها والنيل من أبيها تصفه بالمحتال والمتسول فكانت حنين تتجاهلها حينًا وحينًا ترد لها إهانتها , فإذا إختارت الصمت كظمت غيظها حتى إذا عاد زوجها صبت عليه غضبها وصرخت تطلب الطلاق فيفزع إلى أمه يرجوها ألا تهدم بيته فتبدي أسفها على حاله وأنها لأجله ستصبر على تلك العاقة .....
وكانت حنين تبدأ يومها قبل الجميع .. تعد إفطار زوجها وتجهز له ملابسه وتترك له ملاحظتها حيث إعتادت تركها ثم تغادر لعملها قبل استيقاظه .. وعند العصر تغادر المشفى إلى البيت وتحاول قدر إستطاعتها تجنب الأم .. تبدأ بتحضير الغداء في الأعلى تاركة الأم و خادمتها يطبخان في الأسفل .. ثم إذا إنتهت حبست نفسها في الحمام ساعة تدخن سرًا بينما تقرأ أو تبكي حالها .. في المساء يرجع زوجها فإن لم يأكل مع أمه حضّرت له العَشاء ثم تظاهرت بالتعب ونامت ....
وبعد أشهر صدمها حملها .. كان اليوم الأسعد لزوجها ويومها الأسود , قَدِمَ والداها للزيارة والفرحة تغمرهما .. لن تفهم أبدًا كيف لا يشعران ببؤسها وكآبتها .. بدت أيامها مع الحمل كخطوات نحو مقصلتها .. وفي شهرها السابع أصيبت بمتلازمة هيلب ونقلت للمستشفى حيث مرت بولادة مبكرة عسيرة .. أنجبت طفلة وُضعت في الحاضنة واحتُجِزَت هي حتى تستقر حالتها ...
في صباح يومها الأخير بالمستشفى فتحت عينيها على صوت مقدمة الأخبار تتلو تقريرًا عن قرى الجبل : .... فيما بدا هذا التجمع كمجتمع صغير يتزعمه ناصر ال ..... لم يكمل دراسته في كلية طب ال ..... وقد صرح المستسار سعد ال ....... بان ما حدث لا يمثل اي تهديد للمركز ....... ولانعزال تلك القرى وانعدام مواردها ف.......... كما شدد على ان ............... "
..... أخفت نفسها أسفل الغطاء ... ومن بين دموعها تردد : لست أحلم .. ليس حلمًا .......
بأي قلب عزمت على ما عزمت وأي حب تصدع له كبدها وأي شوق تأجج بصدرها وأي ذكرى تلفتت لها فأوجعها الإصغاء ......
وحين اختفت حنين وإستيأسوا عودتها قالت أمها باكية : مسعود هل كانت لنا إبنة .. كيف أنسى وجهها .. كيف لا أسترجع صوتها .. أين هي في ذاكرتي ....., بُهت الأب فمنذ ذلك الحصار لا يذكرها أبدًا تناديه بابا , لم تنظر لعينه أو تسأله حاجه .. دائمًا هي نائمة أو منشغلة .. لم يعد يدري حتى ما كان لون عينيها ....
إنهار زوجها وأمه تشتمها وتلعنها .. قالت : تلك الباهته لم أعرف لها طعماً ولا لونًا .. لا لا لم تكن تشبهنا تلك الشيطانة لم يرتح لها قط قلبي ....
وبعد أشهر من إختفائها عثر زوجها في أحد أدراجها على حافظة تبغ .. لم يصدمه أن كانت تدخن قدر ما صدمه كيف أخفت عنه عادة سهلة الملاحظة فماذا عما صَعُبَت ملاحظتة .. كيف لم تفتح له قلبها لست سنوات .. لم تقل أبدًا أنها أحبته ولا أبدت اشتياقا قط وإن طالت غيبته .. لم يعرف لمره ماتحب أو تكره ما يرضيها أو يسخطها .. إعتصر الألم قلبه وقد إنتبه أن حاجتها الوحيدة عنده وما لم تطالبه بغيرها كان قولها : طلقني ...
ومن خارج الغرفة كانت إبنته تبكي وتصرخ : أين ماما بينما تعنفها جدتها .....








تعليقات
إرسال تعليق