همس الصوت : فلوه .. فلوه .....
جلست على الفراش تتلفت حولها .....
مضى شهر منذ حملتها المرأة الى قريتها , فيما بعد عرفت انها عبرت الحدود فلم تهتم ولم تجد اهتمامًا هي الاخرى , سألت عن الأصوات التي تناديها فقيل لها هي الرياح ستعتاديها .. لم تكن متأكدة , كانت المرأة قد انزلتها بيتها وعلى غرابته كان اقرب لمستشفى صغير تديره بنفسها , ازدحم الفناء بغرف تمريض بنيت من الحجارة .. اما البيت فمجرد طابق ارضي مكون من حجرات صغيرة للنوم ...
لم تعرف للمرأة اسمًا .. كان الجميع يناديها دكتورة وكانت دائما منشغله , لا تعرف الكثير عن قرى الجبل مجرد صور مبهمة عن منطقة فقيرة منعزلة في الجنوب , اكانت بحاجة لتعبر دولة اخرى لتصلها ؟ انتابها شعور غامض , سمعتهم يتكلمون عن تحالف ما في الشمال .. يبدو انهم يتعرضون لحصار وشيك والقرى مضطربة , امسكت ساقها .. لم تعد تؤلمها , قالوا لها حين تتعافى ستبدأ بالعمل معهم في التمريض , وكان لدى الطبيبة تسع ممرضات وثلاث عمال وسائق واحد لنقل المرضى , نصف الممرضات كن يعشن في البيت نفسه رفقة الطبيبة وابنتها هند , لم ترى ابنتها غير مرة وشعرت انها لسبب ما تتجنبها ..
خرجت للفناء كان خاليا من المرضى او الممرضات على غير العادة , تأملت الاسوار الحجرية حولها , بالأمس دفعها الفضول لمحاولة الخروج لكن البوابة كانت مغلقة , لمحت ممرضة سوداء البشرة تعد القهوة في المطبخ الخارجي فبحثت عن كوب ورقي وصبت لنفسها بعض القهوة قبل ان ترجع لمكانها المفضل خلف الغرف الخارجية , وعلى مرمى البصر كانت الجبال تغطي الافق بمشهد كئيب ...
احست بالقهوة باردة فلم تبالي كانت الشيء الوحيد المتوفر بكثرة هنا ورغمًا عنها اعتادت ان تشربها الى ان احبتها ثم لم تعد تهتم ان كانت مع سكر او باردة .. عوضتها عن شح الطعام , ثم بدا وكأنها تذكرت شيئًا ما فابتسمت , قبل شهر وحين فتحت عينيها قدموا لها بعض الخبز وقطع دجاج باردة .. يومها اكلت ونظرت للممرضة التي احضرت لها المزيد من الخبز فأكلته بشهية ادهشتها الى اليوم , في الايام التالية تعلمت الاكتفاء بقطع الخبز الجافة والفجل والباذنجان مع القهوة , وفي ايام معينة كانوا يحصلون على وجبات ملائمة حين تصلهم الاعانة الاسبوعية من قيادات الجبل , لسبب ما كانت خدمات المستشفى مجانية , فيما بعد عرفت ان الجبل بلا مدارس او مستشفيات وان اغلب العوائل الكبير نزحت منه على مر السنين , اما الاكثرية من سكانه فخليط من قطاع الطرق وشخصيات اجرامية فرت من بلدانها الأصلية ثم استقرت به , والبقية كانوا من الضعفاء والمساكين وبعض ممن عزموا على التمسك بأرض اجدادهم على ريب الزمان ..
اشتدت الرياح من حولِها وتردد الصوت هامسًا : فلوه .. فلوه ..... فلوه ..... تلفتت فزعة .. اهتزت يدها وشعرت بدوار .. اسقطت القهوة وابتلت الارضية ... أمام عينيها عبرت الممرضة ذات البشرة السوداء .. نادتها فلم ترد وتابعت سيرها .. اشتد الدوار وأحست بجسدها يتهاوى ....
شعرت بالراحة حين فتحت عينيها ليطالعها وجه الدكتورة , قالت : لا بأس بمرور الوقت ستعتادي نقص الاكسجين وانخفاض الضغط .. ارتاحي الان ...
سخرت هند : فعلا كان خروجها للفناء مجهودا رهيبا , قرصتها امها في اذنها قائلة : اذهبي وجهزي حقيبتي .... , صمت الجميع وبدا كأن النقاش حول سفرها قد تم قبل قليل .. بإحباط غادرت هند الحجرة ..
في المساء أحست فلوه بجلبه صادرة من الخارج , اطلت من النافذة رأت احد العمال يهرع الى البوابة واخر يقف مرتبكا لا يدري أيتقدم أو يتراجع .. بعض الممرضات صرخن وانسحبن لداخل البيت .. من وقفن في الفناء كن يسرعن بستر وجوههن , لحظات وعبر البوابة رجل غريب المظهر برفقة رجلان من زيهما خمنت انهما ربما حراسه .. للحظات وقف الرجل وعيناه تمسحان المكان ... اقترب قليلا من البيت وجلس أمام غرفة خارجية قد حوت مريضًا , واذ أبصرته عن قرب شعرت بالرعب من هيئته كان فارع الطول بملامح قاسية وصوت جهور سبقه قبل دخوله ملقيًا السلام فأربك من بالبيت , تساءلت لو ان قدومه ليس الا زيارة لأحد معارفه من المرضى ...
رأت الدكتوره تسير نحوه ثم وضعت على عينيها نظارة سوداء , وقفت أمامه فلم يغير من جلسته ... لم تسمع ما قالته إلا ان الرجل بعد لحظات وقف بعصبية ليصلها صوته وهو يقول : لا لن تذهبي .. لن أسمح ....... , ثم التفت مغادرا وتبعه حراسه , للحظات وقفت الدكتورة ترمقه بينما يغادر .. رأتها فلوة تمسح دموع عينيها , فيما بعد سألت عن الرجل فقيل لها : زعيم الجبل .....
.
في الأيام التالية كثر الكلام عن الحصار , وأخذت الطبيبة تعمل بجد لاعداد مشفاها للصمود قدر استطاعتها , أما هي فقد بدأت بتلقي دروسها في التمريض وانصب تركيزهم على التعامل مع الحروق والجروح والكسور وكيفية انقاذ مريض تعرض لبتر جزء منه على المستوى الجسدي والنفسي , كان التدريب يستنزف طاقتها ووقتها , ثم ما تبقى من اليوم تمضيه في كتابة عشوائية تساعدها على التخلص من توترها , ذات مرة كتبت عن الدكتورة " سمعت احدى الممرضات تهمس انها لا تنتمي للجبل وكانت تتعجب من اهتمامها بسكانه ان لم يكونو اهلها , بشكل ما كنت اتفق معها فالدكتورة لا تشبههم لا في الطباع او اللهجة , صحيح انني لم احظ بفرصة للخروج من البيت الا انها بالتأكيد لا تشبه هذا الفظ الغليظ المسمى زعيم الجبل ولا هؤلاء المرضى غريبي الاطوار والطباع والعادات ..... قبل أيام سمعتها تقول لاحدى الممرضات عني : لو تركتها لماتت .... , اتمنى لو تركتني للموت "
وعن تدريبها كتبت تعليقا : " يدهشني اصرارهم العجيب على تعليمي .. يظنون ان بامكاني التعامل مع تلك النوعية من الجروح .. او ان اساعد مصابا بتشوه على تجاوز صدمته .. قد تقتلني انا الصدمة لو تدخلت ... أتمنى لو خصصوا لي دورا في مساعدة الجرحى على شرب الماء لا اكثر "
أحيانا كانت تعبر عن قلقها مِن قلق مَن حولها " قلقهم يشعرني بالخوف .. لو كنت أفهم ما يحدث .. متى اصبح الجبل مهمًا ليتعرض لحصار ما .. ما هو تحالف الشمال .. ألا يعتبر قدومي انا نفسي من الشمال .. لعل قصدهم الغرب او الشمال الغربي .. رؤيتهم هنا للعالم غريبة أو انا هي الغريبة .... "
" لا احتمل البرد ولا حر الظهيرة ... انا مرهقة اغلب الوقت بلا سبب ... "
" غدت اجمل لحظاتي اليومية شرب القهوة قبل الغروب .. "
" سمعت اليوم من احد المرضى كلاما عن الوضع المزري لقوات الجبل ... قال شيئا عن هزيمة تعرضوا لها قبل شهر ومن تبعاتها ان الطريق لحصار الجبل قد اصبح مفتوحا للجيوش الشمالية .... "
" قبل ساعات من اكتمال الحصار وصلت الاخبار بحصار اخر قادم من الجنوب .. كانت الصدمة هذه المرة كبيرة .. يبدو ان امالهم قد انهارت في منفذ يوفره لهم الجنوب .. اهذا يعني ان جيش الجنوب معاد لجيش الشمال ... هل اتحدوا فجأة والضحية هم سكان الجبل او ان الجبل مجرد ساحة معركة لا تعنيه ... "
" زعيم الجبل استنفر كل من بالقرى من رجال ... حتى عمال المشفى الثلاثة التحقوا بقواته ولم يتركوا لنا غير السائق ...."
" أصوات الانفجارات لا تتوقف .. الطائرات لا تكف عن مسح القرى ورميها .. مدافعنا قصيرة المدى وقوتها التدميرية متواضعة .. لم يبق للجبل غير الاستسلام او الفناء ....... "



تعليقات
إرسال تعليق