اغلق عينيه .. أرخى أطرافه لتغمره المياه الباردة .. توهج القمر الشبحي ..
أحس بجسده يغوص والأصوات تتلاشى ..
من مكان ما تشكلت فقاعة .. عكرت السكون وارتقت سطح الماء ومع صدى تلاشيها تبعتها أخرى .. وأخرى ..
تردد الصدى وكان كمن يرى الزمان .. أمام عينيه تتابعت القرون ..
وكانت تأملاته للنهاية قد أذهلته عن واقعه ..
ثم جاء يوم وسأل نفسه أين اختفت علاماتها ؟ ..
كيف ضاعت البشرية عن الطريق ؟ ....
انقضت عقود وكان مسعاه رد البشرية الى حيث العلامة الاخيرة ..
فكانت الحرب وكان العزوم على تلاتلها ...
أسندت رأسها الى النافذة .. منعها الألم من اغلاق عينيها ... كانت الجبال تمتد أمام ناظريها بلا نهاية .. اهتزت السيارة فكادت تصرخ من الألم .. قالت المرأة التي حملتها لسيارتها ان ساقها قد كُسرت .. فكرت بخطتها العشرية للانتحار وقد انتهت بمجرد كسر .. تأملت الجبيرة على ساقها ورأسها يتصبب عرقا .. تمهلت المرأة خلف عجلة القيادة في سيرها وهي تلقي عليها بعض الاسئلة إلا أنها أصرت على الصمت .. حتى لو فشلت لم تكن لتتحمل فكرة العودة مجددًا .. ألحت المرأة تسألها فلم تجبها وحولت بصرها للطريق المظلم .. بالكاد تبصر ما حولها وبين فترة واخرى تلمح ظلا أسود يتحرك بين الجبال وعلى مرمى البصر تولد أضواء وتتلاشى .. بقايا سيارات محترقة تناثرت على امتداد الطريق ... في السابعة خططت للانتحار وبعد عشر سنوات اقتربت من الموت للحد الذي جعلها تخشاه قدر يأسها من الحياة .. الموت والحياة .. الزهد والرغبة .. أخيرا وبعد كل تلك السنوات تسأل نفسها لماذا ؟ .......
في السادسة تتذكر عودتها ذات يوم من المدرسة لتتفاجئ بجدتها تعانقها .. بدلت ملابسها وسألت عن أمها فتلقت عناقا .. سألت عن الطعام فقبلتها جدتها وعانقتها ... مسحت لعاب جدتها باشمئزاز وسألت عن أمها فلم تخفي الجدة نظرة المقت التي بدت في عينيها .. قالت ماما .. صرخت الجدة : فلوه ... شعرت بالخوف فلم تتكلم ..
فيما بعد قيل عن أمها مريضة رحلت للعلاج .. مطلقة تخلت عنها .. اختفت بلا سبب .. ماتت .. وبعد أشهر ظهرت في البيت امرأة جديدة برفقة طفلة في مثل عمرها وتوأم رضيع ... قيل لها تلك ماما وهذه اختك وهؤلاء اخوتك الصغار .. بالفعل ما أجمل الحياة أم لطيفة وأخت تشاركها الدراسة وأطفال تلعب بهم ومعهم فكيف لفكرة الانتحار التشكل بعقل طفلة في السابعة ؟
انحرفت السيارة لطريق غير ممهد فارتجت وتأوهت فلوه من الألم .. أوقفت المرأة السيارة ثم فتحت الباب وطلبت منها تبديل جلستها ..
أمرتها : استلقي .. ثم أسندت ساقها المكسورة برفق الى وسادة وعادت لمقعدها الأمامي تكمل سيرها .. أحست ببعض الراحة ثم انتبهت لمشهد القمر الآخاذ حين تبدى لها من خلف النافذة مشعًا يتوسط السماء من فوقها ..
كانت يومها في السابعة .. ربما هو العيد وأمها الجديدة بصحبتهم عبرت مع أختها نافذة لبيع الحلوى .. صرخت أختها متلهفة للمزيد فوبختها أمها .. بكت لكن الأم رفضت بحسم وقالت : لقد أكثرت اليوم .. أسنانك ومعدتك س .... لسبب ما قلدت فلوه أختها فنهتها أمها .. بكت فقالت الأم بيأس أن لا بأس .. ركضت فلوه للنافذة ثم توقفت فجأة .. تجمد العالم من حولها وشعور بالوحدة يزحف ليغرقها في بحر من اليأس , لا تبالي بأسناني .. تكرهني .. لست ابنتها .. كلي كل الحلوى وموتي , بصعوبة حبست دموع عينيها .. في داخلها كان هناك ما تحطم .. شعرت بنفسها غريبة ضائعة لا تدري لأين تهرب .. لا تجد من تبكي بين يديه .. مبكرًا عرفت معنى الوحدة .. ألا تملك غير نفسها , وبشيء من التلقائية والرغبة في الاختلاف أخذت بتمييز نفسها عن عائلتها الجديدة فلو أكلوا اللحم أكلت الدجاج ولو ارتدوا الأبيض ارتدت الأسود ولو خرجوا في رحلة تظاهرت بالمرض ولو استيقظوا قبلها للمدرسة غرقت في نوم طويل , ورغم تماديها الا أن أمها الجديدة تعاملت معها بصبر وحكمة تثير الدهشة فلم تسمع منها قط كلمة تؤذيها بل تمادت بدورها في تلبية رغباتها حتى أصبحت أغلب الأيام تطبخ لها بشكل خاص .. ثم هي دائما تدللها فوفو ولو اشترت لها شيء حرصت على ان يكون مختلفا عما اشترته لابنتها وأحيانا افضل لترضيها , أما أبوها فكان كثيرًا ما يصفها بالغريبة فكانت تردد في نفسها نعم انا غريبة انا ابنة أمي فقط ثم تمضي وقتها في المستودع تتأمل حاجيات أمها القديمة .. ملابسها .. حقائبها .. أحذيتها .. اثاث بيتهم القديم .. بدت لها كل تلك الاشياء القديمة اكثر رقيا .. تتخيل أمها في صورة ساحرة ثم تردد لنفسها بالتأكيد هذا الأب الفاسد قد خانها مع تلك السوقية لهذا تصرفت بنبل فرحلت بصمت ...
أوقفت المرأة سياراتها برفق .. أشعلت لفافة تبغ ثم نظرت لفلوه عبر مرآة السيارة .. قالت : إن عبرنا فعودتك لن تكون بتلك السهولة .. تفهمين ما يحدث , لم تجب واستمرت على صمتها .. ألقت المرأة باللفافة عبر النافذة ... قالت : فليكن .. أنت غريبة , وعاودت سيرها ...
أكانت تتعمد الغرابة أو هي بالفعل غريبة , اعتادت انها مثيرة للاهتمام لمن لا يعرفها مملة لمن يعرفها , بين زميلاتها كانت محط الاهتمام الى أن يتعرفنها ثم يصفنها بالغرور أو الجنون او الإزعاج غير المحتمل .. طريقتها في التفكير .. نظرتها للأمور .. رأيها في الناس .. تعبيراتها المتكلفة .. سخريتها الفظة ممن هم أقل منها .. كرهها لكل ما هو محبوب .. تهربها من أي دعوة وتفضيلها قضاء العطل وحيدة بغرفتها كلها صنعت منها غريبة أطوار مزعجة , في الخامسة عشر لم تعد تخفي كرهها لزوجة أبيها .. توقفت عن قول ماما .. انعزلت عن اخوتها واغلب الوقت تتصرف وكأن لا وجود لهم , حاول والدها أن يفهمها بلا جدوى ... قال : أين لك بأم حنونة مثلها .. قالت تغيظه : نعم حنونة ولو رأتني في نار مسعرة ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا ... كان يكره تعبيراتها المتكلفة .. حاول أن يتمالك نفسه لولا أن ضربها على كتفها .... صرخت .. هرعت زوجة أبيها للغرفة .. وجدتها تبكي فضمتها الا أن فلوه ابعتدتها عنها وخرجت .. قال أبوها : اتركيها .. مجنونة ابنة مجنونة ...
ثم وكعادتها بعد كل شجار تفتعله عزلت نفسها في المستودع .. بكت قليلا ورثت نفسها ... تقلبت على الأريكة وكانت قد نثرت عليها ملابس والدتها .. سقطت على الارضية .. جلست وبين يديها معطف أبيض .. ارتدته فوق ملابسها .. دارت حول نفسها وهي تتخيل أمها جراحة شهيرة درست في اشهر جامعات العالم ثم اوقعها حظها الغبي مع هذا البدوي ضيق الافق .. تعبت من الدوران فألقت جسدها على الاريكة ونامت ....
فتحت عينيها .. كانت المرأة الغريبة مستمرة بالقيادة .. شحب الافق بضوء الفجر وسمعت المرأة تقول : اقتربنا ... , أحست بالخوف .. تمنت أن تبقى ضائعة بعيدة عن كل مكان .. لو ينتهى العالم لأجلها في تلك اللحظة .. تساقطت دموعها وهي تتخيل حياتها لو لم ترحل أمها , لم تفهم أبدًا لماذا اختفت , ذات يوم سمعت الجدة البغيضة تثرثر واصفة أمها بالفاجرة .. تخلت عن زوجها وابنتها بعد أن حنت لحب قديم , قالت الجدة : أصرت على الطلاق وحين يئست اختفت , ... لم تصدق ولو مرة تلك العجوز الحقودة وإن لم يمنعها هذا من تخيل أمها في صورة أبية لم تسمح حتى لابنتها ان تكون سببًا في سلب حريتها , فلو صدقت الجدة فهي بلا تردد فخورة بأمها .....
في السادسة عشر تخلت زوجة أبيها عن قناع الأم الحنون وما عاد يشغلها غير تحريض زوجها : امنعها .. احرمها .. عاقبها .. احبسها .. ادبها .. اعزلها ..
وبعد عام قررت أن الوقت قد حان للهرب فالانتحار .. أرادت قبل موتها ان تحظى بلحظة ساحرة .. تخيلت نفسها على قمة جبل تتأمل العالم للمرة الاخيرة قبل أن ترمي بنفسها ... استغرقت اسابيع تخطط لسرقة سيارة أبيها وتتأمل خط سيرها للسلسلة الجبلية أقصى الجنوب , ومع الفجر الموعود فتحت عينيها التي لم تنعس قط تلك الليلة وبلا تفكير نهضت لتجلس على مكتبها ..
أشعلت الضوء الأصفر وقلبت دفترها الأسود لصفحته الأخيرة ... كتبت تستفز من يقرأ بعدها : أقول وقد سقاني بكأس النعسة السهر .. إلى الشيطان الذي أوهمني بأبوته ... إلى العاهرة التي أدت دورها كأمي .. إلى السحالي التي تناديني أختاه .. إلى الغد الكئيب الذي لن أراه .. إلى عالمي البائس وداعًا .. وما الناس إلا آلف ومودع .. لا تبحثوا عني فأنا قد .. سبقتكم الى الجحيم ...
ثم انتقلت للسطر والاخير وختمت رسالتها : وكنت أرى كالموت بقائي بينكم فطابت نفسي بموت فرقنا وأبعدكم




تعليقات
إرسال تعليق